ذاكرة شعريّة

أتباهى أحيانًا بذاكرتي الشعريَّة وأدرك أن أكثر ما يسكنها هو امتداد أبيات البدر في كل مساحاتها،أجد نفسي أحيانًا أحفظ كل ما يقع بين يدي دون وعي أو رغبة ثم أستحضره عشوائيًا في حديثٍ عابر، شيء ما بي يندهش مع المستمع من قدرتي على استذكاره.


لا أبحث عن القصيدة، بل أؤمن أنها تعرف طريقها إليّ. كل ما أحببته وجدني قبله، وأقيس هذا على كل تفاصيل حياتي، والشعر جزء منها.


ابتداءً من “يا زين والله حسافه.. وردك الزاهي ينبت على ما تهدّم من بساتيني.” مرورًا بـ “والله لو ما كتبت عيونها هالحين، لا أخاصم الشعر كلّه وأترك الشاعر..” انتهاءً بـ “لا تسأليني عن عذابٍ مضى أمس، أنا نصيتك؛ هاربٍ من همومي.” كان البدر دائمًا يرسم القصص التي لم تُحكى، ويجمع المشاعر التي لم تُقال. بنظري، كلماته هي الصورة الأخيرة لحكايةٍ لم تكتمل. بين كل أبياته التي تسكنني، هذه الأبيات ظلّت تطوف في روحي لفتراتٍ طويلة، تخرج مني دون عناء، تمرّ عليّ ببطء، كلمةً كلمة، وتحرق كل ما اعتقدتُ أنه حقيقي.


عندما أفكر بالشعر، أجد فيه إجاباتٍ لأسئلة تبخّرت، وأسئلة تبحث عن إجابات لا وجود لها. يدور حول أبواب مغلقة، لكنه في اللحظة ذاتها يفتح أبوابًا أخرى كانت عصيّة.


الشعر حالة متناقضة، طريق بين الوضوح والضياع. وبين القيود التي يضعها الشعر على العقل وبين الحرية التي يمنحها في الوقت ذاته، قد يزرع طمأنينة لحيرة تسكنك، لكنه في الوقت نفسه يزرع فيك حيرة جديدة لشيءٍ استأمنتِه. إنه نافذةٌ تُفتح على أماكن لم تكن تعلم بوجودها داخلك، لكنه أيضًا ستار يُسدل على أشياء كنت تظن أنك تفهمها.


حتى عندما أكون تلك المرأة الواضحة والحذرة، يخلق الشعر مني امرأة غامضة، ذات حدود جريئة، وأجد نفسي مجبرة على التعامل معها رغم صعوبة تقبلها وفهمها. يجعلني أقف في مواجهة غير مريحة مع ذاتي، وأتساءل: أليس هذا هو دور الشعر الأساسي؟ أن يحطم تلك الجدران التي بنيتها حول نفسك ويكشف جوانب لم تتوقع أنك تملكها؟

Comments

Popular posts from this blog

نايف صقر

ذاكرة شعريَّة

امرأة بين تناقضاتها